الياقوت الأحمر

( اليَاقُوتُ الأحْمَرِ ) مَا عَلى ظَنّيَ بَاسُ، يَجْرَحُ الدّهْرُ وَيَاسُو .. رُبّما أشْرَفَ بِالمَرْء عَلَى الآمَالِ، يَاسُ .. وَلَقَدْ يُنْجِيكَ إغْفَالٌ وَيُرْديكَ احْتِرَاسُ .. والمحاذيرُ سهامٌ؛ والمقاديرُ قياسُ. (ابن زيدون)

  • الرئيسية
  • منجمي
  • اتصل بنا
  • نموذج الاتصال

    الاسم

    بريد إلكتروني *

    رسالة *

    ‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب وفكر. إظهار كافة الرسائل
    ‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب وفكر. إظهار كافة الرسائل

    شجرة البرتقال الرائعة (رواية)

     


    بالأمس أتممت قراءة كتاب وقع بين يدي بمحض الصدفة ثم شدني إليه لأنه يتحدث ببراءة طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره حديثا يصدق برغمه، ويحاكي عالما أشبه بقوس قزح من خيالات الصغار

    على أجنحة هذا الكتاب ولجت عالم الطفولة المتناهي في البعد عن خطوات الشيخوخة الأولى التي أتدرج نحوها حثيثا حتى وأنا أكابر واتشبث بتلك السنين الغاربات ورائي.
    بين دفتي الكتاب عوالم متسعة من الخيال، وفيه اللهو الذي لا يعرف وقتا يحده، الذكاء المتعطش لمعرفة المزيد، الكلمات التي تتراصف وتبني في طريقها المعجم الأولي للأشياء، الشغب والشقاوة اللامسئولة، لقد أحببت الصغير (زيزا) لسيما وهو يكابد طفولة تعسة تلزمه كسب بنسات قليلة من وراء طاولة طلاء الأحذية التي يجرها على كتفيه الضئيلتين، كيف لصغير بعمره أن يفهم حزن أبيه العاطل عن العمل، وتعب أمه المجهدة في دوامة المصانع ليلا نهارا، حتى لا يسعها المجال لأن تكون له أما، في أحياء البرازيل المدقعة فقرا ولد الصغير بين دستة من الأشقاء، الجميع يتحرك بطريقة ما لكي تمضي عجلة الحياة، لكي يحتفظون بأنفسهم ملزمين ضمن قوائم الأحياء.
    تمضي النهارات العابثة والليالي الحالمة، ويثبت الصغير جدراته في مدرسته لقد كان في قلبه عصفورا يغني، لكن شيطانه لا يفتأ يدفعه إلى مواطن الشغب المؤذي الذي يعرضه لزاما إلى العقوبة الصارمة بجلد مؤخرته.
    ثم عشت مع زيزا فسحة ظليلة تحت جذع (شجرته شجرة البرتقال الرائعة)* ولم يخطر ببالي أن أتذمر للحظة من الثرثرة اللامنطقية بمقاييسي العاقلة، بل تركت قلبي ينزلق في عوالمه المفتقدة تماما من ذاكرتي، لقد كان شيئا منه ينبئي بالضرورة عن أحلامي وخيالاتي وشيئا من تجاربي المريرة آنذاك.
    في تلك السن الصغيرة من العمر تكون حساسية المرء للأشياء بالغة الحدة، يبدو أن مشاغل العقل تكون أقل بكثير من أن تذكر، فتتسع عوالم الشعور وتحتفظ الذاكرة بقوة بتلك الأحداث المفصلية التي تكون غاية في الحب، ونقيضاتها تلك التي تكون غاية في البغض!
    وعندما تعلق قلب زيزا بجاره بورتوجا الذي أذاقه طعم الحنان، كان تعلقه لا مسئولا، بلا أي تصورات حول المجريات الكبرى للحياة، ولا أي توقعات يمكن لأوهام الطفولة الأولى أن تطالها أو تضعها في الحسبان، حسنا حدث طارئ ما ..
    فمن أي يأتي الأسى ؟
    هل يأتي من إبداع مخيلة كاتب استطاع أن يرسم تفاصيل حياة الصغير حتى كأنه رسم يقع في القلب بلا شبهة، أم يأتي من الاحساس بمرحلة مغيبة خلف حياة ممتدة بكل مجرياتها وتجاربها وعثراتها وركضها المتصل حتى لا تسمح لك بمتنفس صغير ينفذ لتلك الأيام الأوائل من عتبات العيش.
    أم أن الأسى هو مجرد انعكاس لأحداث ماض غائب تماما في ردهات الزمن ؟ لم يسمح لي دمعي المنساب وعبرتي التي تترقرق على أسطر الكتاب من إعمال فكري في موضع الأسى، لكن كنت قد وضعت يدي على مفتاح صغير يسمى الحنين إلى الرفق، الحاجة إلى القلب الذي يسع متاعبنا، والذي يمكن أن نفضي إليه بمكامن الهشاشة دون وخز الكبرياء.
    كيف يمضي أحدنا عمرا بأكماله شامخا في وجه الحياة بلا سند يتكئ عليه لحظة الانكسارات الكبرى، كيف يتسنى لأحدنا أن يبتلع خيبة موجعة دون أن يحدث ضجة تنبئ أحدا ( لا سمح الله)عما يعتمل في الحلق وتشرق به الأنفاس.
    وكيف أستطعنا مع كر الأيام والشهور والسنوات، أن نقصر أمالنا العريضة عن كل ما هو ملموس عاطفي مشبع بالاحساس، لنستبدله تمام بما هو واقع من مقتضيات العقل والإيمان، لقد تعلمنا بالتجربة والخطأ وبإعمال العقل وبنور من الهداية إلى إين نركن.
    لكن يبقى لكل منا مأتمه الخاص الذي يشهده على محك بشريته، ويطلعه على شواهد ضعفه وحاجته، وعندما ودعت (زيزا) وأقفلت الكتاب، جعلت استرجع مأتمي الأخير متى كان ؟
    لقد مضت بالضبط تسعة أشهر ( اكتمل حمله ) وحانت لحظة ولادته تماما مع مأتم الكتاب، فتذكرت الذي كان.
    كنت قد تداويت من واحدة من أقسى تجارب حياتي، ذلك أن قدرا إلهيا تدخلا تدخلا حاسما ليضع حدا منطقيا وصادقا لوهم أوشك أن يتسلل وينبت بذرته فوق صدري، وبرغم امتناني لذاك القدر، ظل جانبي البشري يحن ويئن على الذي كان، واستبسلت فلم أسمح بسفح عبرتي - لكن منع الأشياء قد لا يعني غير تأجيلها فحسب - ذلك أنها أنهمرت مجتمعة كموسم مطير مؤجل، غادرت غيماته شمس مايو الدافئة خجلا من أن تنسكب قبل أوانها، وارتحلت إلى فبراير الكئيب البارد سدت بظللها وجه الأفق وضغطت على قلبي بسبب من مأتم في كتاب.
    ثم أصبحت وقد ظلل الحزن أحداقي، وألم بي شيء من تصلب في ظهري، فتحت نافذتي للهواء البارد، وغادرت مسرعة لاستكمال ركضي المحموم، ولأهدي أسطري المستوحاة منه إليه .. (زيزا) الذي صار نسيا منسيا لولا صدفة وكتاب.
    5. فبراير . 2024
    اسم الكتاب المعني ( شجرتي شجرة البرتقال الرائعة)
    وهو عمل أدبي فذ يدرس في مدارس الأدب البرازيلية وينصح الأساتذة في المعاهد الفرنسية طلبتهم بقراءته

    باب

    يحكى بأن قصة الباب قديمة موغلة في جنبات الزمن، مذ وعى الإنسان ذاته، وشعر بأهمية حفظ خصوصيته عن الأخرين، فأبواب الغرف هي الأمان الأول بعد كينونة الجسد، لذا كان الشعور بالراحة غامرا كلما أوصدت الأقفال، وحُفظت ملمات الدواخل عما يتعذر البوح به. والباب مدخل الأشياء وبداية فك ملغز ما نجهله، وهو أول الإيحاء بتصور التفاصيل والغرائب والشخوص والحكايات والأسرار، وأبواب البيوت بعضها من خشب كابد مر السنين، وأخرى من خشب موشى مزكرش يوحي بذائقة الجمال والفن والحياة الطيبة التي لا تكدرها المخاوف. أما الأبواب التي هي من حديد فإنها تعكس حاجة المرء للأمن والدفاع وتفضح ثغرة الزمان الموحش وحادثات الليل الذي يغدر، فلا يغُرّنك منها الملون والمتنكر في زي الخشب! وللأبواب عتبات وفأل، وقيل أن عتبة البيت رمز لسيدته، فهي التي تصونه وتؤثثه وتحفظ دواخله وأسراره وتعكس روحها في أشياؤه ويبدو مزاجها في ترتيبه ونظافته! ويا ليت أبوابَ المدينةِ كلَّها .. تُسَدُّ وبابًا في فؤادِك يُفتَحُ فباب الذين نحبهم لا يوصد، نطرقه لحاجة أو بغير حاجة، نطرقه لنسلم أو لنخبر عن أشواقنا، نطرقه لأن ثرثرة الأبواب تحلو .. وهي قطعة من الوقت الذي لا يسترجع. إلى باب من لم نأت نطلب غيره .. بشرق من الأرض الفضاء ولا غرب يقول سبحانه : ( وأتوا البيوت من أبوابها) .. دلالة على حرمة البيوت، وتقريرا لفضيلة الاستئذان، وكناية عن نفاسة المصون الذي يستوجب إجلاله عما لا يليق به. وقيل : وقد وقفت على باب السؤال وذي .. يدي مددت أرتجي منك نيل يدي !! فللجنة أيضا أبواب، ويا عجبي من يدخل الجنة بلا إذن! ما حاجة الجنة للأبواب لولا أنها تحتجب عن المشتاقين حتى يسكنوها، وتخفي في قلبها ما لا يدرك! جعل الله أبوابكم صدرا يفتح .. لطيبات النسوم الغاديات.

    بانس



    #ساعٍ
    لكي تصل أو لا تصل (لا فرق مع ما لا تملكه)، يجب أن لا تهتم بالوجهة بقدر ما تهتم بالطريق المزدوج الذي يأخذ ويعيد، ويصل نقطة البداية المركبة ونقطة النهاية المعتمة عن التوقع، وبينهما ما لايقل عن ثلاثة أبعاد هلامية تحجز الفهم، وتعيق الرؤية، وتطيح بإشارات الطريق.
    على هذا .. كان ساعي الضوء الألق الوفي، إلى الحد الذي يندر وجوده، يتجشم مصاعب التنقل ليوصل تلك الورقة البيضاء الخالية من أي جملة أو حتى حرف يهتدي به الفهم إلى حوادث القصة!
    هي قصة ثلاثة أبعاد تحكي عن اللغة التي لا تفصح عن شيء، وعن فضاءٍ خيالي يدفع للجنون إن لم تستطع أن تتأكد أنك محرر من سطوته كل بضعة أيام، وبعد حقيقي يفصل بالمسافات المترامية ذاك البون الشاسع الذي يحد المشرق عن المغرب.
    #بانس
    وكانت (بانس) واحدة من الأقمار التسعة عشر التي تحيط بذاك الكوكب البعيد، الذي ينتظر منذ آلاف السنين أن يتم دورته حول الشمس، وبانس الكسولة كانت الوحيدة التي لم تنهي بعد دورتها حول كوكبها العجوز، كل جاراتها سبقنها لكنها ظلت تماطل وتضيع الوقت وتتفلت من واجباتها كي لا تصل، لا أحد كان يفهم لماذا تتصرف (بانس) بهذه الحماقة، ولا حتى كان لأحد أن يستوعب كيف لدافع من الإشراق الذي كانت جاراتها يحظين به دونها، كلما وصلت إحداهن قمة الوصل المداري، ألم تكن تُغْرها هبات الكون ولا تألق ذاك الشعاع الذهبي الذي يلف المكان، منبعثا من المدارات الثمانية عشر دون مدارها. 
    لقد ظلت (بانس) طفلة طيلة الوقت تجيد الدوران حول ذاتها ببراعة، مع هذا لم تكن ساذجة كما كان يتصور الجميع، كل ما في الأمر، أنها كانت أضعف من أن تتمكن أن تخبر عن نفسها، فهي لم تستطع مثلا  أن تسأل أحدا يوما، عما إذا كان باستطاعتها أن تُحوّل مسار دورانها عن المسار النمطي الذي وُجدت فيه منذ اليوم الذي وعت فيه كينونتها، ولم تستطع أن تستأذن الكوكب العجوز فيما لو يُجيز لها أن تقفز عبر المدارات التسعة عشر لترى إن كان المكان (خارجا) يشبه ذاك المكان الذي يملأ تصورها! 
    بالمقابل كانت تثق بأن لا قيمة لإشراق المدارات عند نقطة الوصول، فيما لو فقدت يومًا إشراق ذاتها، بالرغم من أنها لم تعرف الحرية إلا على شكل تلك الأفكار الصغيرة التي أطلقت ساقها للريح، تتعقب الخيالات وتقفز أنى لها أن تقفز داخل روحها المتسعة بشكل لا يصدق.
    #الضوء
    وذات مساء عاصف برياح الشمس اللازوردية، كان كل شيء غارق في سكون الكون، وحتى وشوشات جارتها كانت قد غفت منذ وقت بعيد، واستغرقن كلهن في شؤنهن الصغيرة الخاصة. 
    (بانس) المؤرقة كانت ترقب السماء كعادتها، وبرغم أنها افتقدت ذاك البساط المخملي الحالك المرصع، لكن كان للّون مهابة الشمس، إنه يضفي بريقا خاصا على ليلها، ثمة ما لا يدرك ..
    ذاك الضوء الذي يلوح ويختفي كان يخترق الحجب مرارا كأنّه يمضي باتجاهها، لكنه يختفي حتى لا يعود له أثر، فإذا استسلمت لنعاسها عاد ليظهر فتنتبه لعودته، وظل عمرا يلوح ويختفي وظلت عمرا ترقبه، فلا هو يصل ولا هي تغفو، وتواصل (بانس) تطلعها إليه في جو طليق من السكون الساحر، وبين إغفاءات الحلم وانتباهته، تورطت .. إذ أحست بذاك القيد الخفي الذي يأسر حريتها، ويتعدى على فضائها الداخلي الذي يحويها بلا حد ولا قيد، لقد بات الضوء يواجهها بلا ريب، وهو يقترب في جاذبية مضاعفة تختلف عن تلك التي تقيدها إلى مدارها، لقد أحست أن لحريتها أشواق تضع حدود لمسراتها بأن تفصح عن بداية الآلام.
    #اضطراب
    فإذا للبريد ألق وإذا للرسالة روح تشع، وإذا للفرح نبض كائن مدوخ، لقد كانت (بانس) المجنونة تقرأ الورق الأبيض بياض وهج الشمس البعيدة التي لا يطالها الأفق، وتعرف قبل أن تعرف نفسها حتى، بُعد المسافة التي يقطعها الضوء المرتقب ليأتها بالنص اللا مقروء، الذي يحدثها عن الأشياء البعيدة الكائنة في تصورها فحسب، وتعرف أيضا أن هذا الضوء الحبيب يخلق لها متسعا من السعادة في ذاته، وقد استسلمت له لتدفع الثمن من حيرتها وتطلعها وأشواقها، تماما كما تبدو سعادة الأشياء تامة في نقصها. 
    وفي حين من الدهر الممتد في حياة هذا الكون الأزلي، ولما بلغ ببانس أسى الانتظار مبلغه، جربت أن تكتب بروحها كتابا إلى البعيد الذي يخلق لها فسحة سعادتها الخاصة، سعادتها في أن تكتب نصا لا يُقرأ فهو مجموعة كنايات بلا أحرف!
    وسعادتها في معاناة الصعوبة الكائنة بين الإخفاء والإفصاح، وسعادتها في سعادته وهو يستشف ما لا يستطيعه غيره، فما أن أمسكت بقلم النور الذي استعارته من صاحب البريد في أخر زياراته، وكانت قد حلمت مرارا أن تشتكي ذاك الزمن المنقطع في سكون ظاهر، والذي كان يضج بالكلمات التي ليست بحاجة الساعي ليوردها، فهي أشبه بنور الشمس يعم المكان بلا كلل، حتى يتحول المكان ويبقى النور على حاله. 
    كتبت إليه تخبره : أن إقرأ (بانس) بلا نصوص كما كانت تقرأوك، وأجبها بلا نصوص كما كانت تفهمك، وأعلم أنها تطيش في مدارها فلا تتمه، وتشع من داخلها لا من الخارج، وتنتظر كتابك بلا زمن يحد انتظارها، وهي لا تقلق أبدا فثم متسع كبير للأحلام (كما سمعت مرارا من كوكبها العجوز الذي يعرف أكثر مما تعرف هي بأطوار) لكنها تشتاق، وتضطرب للغياب، وتنزوي لا لتفهم كل شيء، ولكن لتحس كل شيء ولتستعذب ذاك الوجود المبهم الذي يلفها ويصيبها ببعض هذيان الطريق، وحلم الوصول إلى مستقر المدارات.
    وفي لحظة من لحظاتها الماتعة مزقت (بانس) كتابها،  وقالت: إن الحياة أكثر تعقيدا من أن يضمها كتاب، إن الحياة وجدت لتعاش لذاتها لا لتكتب، وكل ما هو بحاجة الإفصاح هو بحاجة القيد والكلفة، وهو عرضة للغموض وسوء الفهم، تركت بانس قلمها جانبا وعادت ترقب النجوم وتهيم ببساط المخمل تتعقب الضوء تكرارا.
    8/آبريل/2017

    ثرثرة على مشارف يناير


    قرأت ذات مرة للأديب الرافعي عبارة تقول “إذا استقبلت العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغر وتضيق، وأدركت أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيق لا هي” على هذا النحو ارتأيت استقبال القادم الجديد، الغامض فيما يحمله، مثير البدايات بما ينطوي عليه من معاني التجديد، مودّعة بامتنان عامي الذي مضى لا لأنه كان على خير ما يرام، ولكن لأنني مدينة له بكمٍ من التجارب والمعرفة التي لا يُنكر فضلها، وَلَكمْ كان عاما استثنائيا على أكثرنا فلقد عرفتّنا الحياة وجهها الأكثر بؤسا حين شوهت وجه هذا الوطن، على هذا ارتبطت أنفاس الحياة بوشائج متينة الصلة مع الأمل فما ثمّ إلا حياة نرجوها كالjanuary-1041611_640حياة.
    كنت أعلم أن الوطن هو البيت والعائلة، هو الطرقات وصباحات العمل والأصدقاء، هو الفرح المختلس بعيدا عن أحاديث السياسة ونشرة الأخبار، حتى حيل بيني وبين الطريق المؤدي إلى واجهة البحر والمنارة فعلمت بأنهما كانتا وطنا آخرا لم أدركه إلا بفقده، واليوم صرت أعبر الطرقات الجانبية مطمئنة إلى عشوائية الموت مهما كان ممنهجا، فللقدر تراتيب أخر لا يمكن  لأفهامنا أن ترقى إليها بحال، عفوا.. لم أفارق تفاؤلي، ولم يزل إيماني عميقا بعبارة الرافعي مع هذا لم يكن بإمكاني إلا أن أصْدُقَ القول فيما يخص الوطن الذي لم يتبدل فيه شيء عدا تقلبات السياسة التي تأخذنا لمنزلقات الكذب حين نحاول أن نأخذها على محمل الجد، إنهم يبدلون آرائهم كل يوم !
    ولنحيل الحديث إلى حيث البهجة، سأخبركم عن الأشياء التي تشابكت وتعقدت وأردف بعضها بعضا، فنجمت عن جمال أبيض بهيج ! صناعة الخيط هذا بعض ما تعلمته خلال سنة الإجازة الإجبارية التي فرضتها الحرب، الجدات كلهن يتقنّه وربما شغفت به لأشبههن، ولم أزل أتعقب أثر تلك الحضارة في تفاصيل روحي وفي كل ما يتعلق بزمانهن المفعم بالصبر والعطاء، وبالأشياء الصغيرة التي عمرت زمن الطفولة الذي انطوى بغيابهن، تاركا بداخلي طفلة لا تكبر أبدا، حتى إذا ركنتُ إلى أنها كفّت عن الطيش، وتجاوزت إلى النضج، ولم  تعد ترقب نجم السماء الذي تتوهمه سائرا إلى جوارها، تفاجئني بتعنتها المتهّور النزق وتعود لما كانت فيه بعد أن أخذتها بالتأديب حينا من الدهر.
    وبعد.. لا أعلم ماذا بشأنكم، أما عني فقد علمتني تعاقبات الأعوام – أن الأشياء التي نريدها بقوة وننتظرها بترقب يُحاذر الفوات- تبعث إشارات واهمة لتبقينا على حافة الانتظار أطول وقت ممكن، ثم لا تحدث في  الوقت الذي نريده نحن، بل في الوقت الذي تريده هي، بعض ما انتظره تركته مرغمة عالقا مع العام الذي مضى، ثم ولجت عامي الجديد خلوا منه قد أشفقت على نفسي والزمن أحمّله عناء ثقله مرتين.
    ولقد تعلمت أيضا كيف أخلق لنفسي متسعا من فسحة النفس في عالم كل ما فيه يتسم بالإجبار، فغضضت الطرف عن أشيائي المزدحمات في قلبي، وفررت منها إلي رحابة الجدليات الوجودية التي تطالبني بإجابة عن كينونة الضمير، وكيف تترتب النتائج على الفعل، وعن قوانين الحياة التي لا تحابي أحدا، بل لم تزل تُمضي سننها لا تفرق في ذلك بين من يؤمن بنظام الكون وبين من يجحده. ثم وجدت عناء الفهم أهون ما يكون مقارنة بعناء الإفصاح، وبراح الفكر على اتساعه وتميّعه وصعوبة الإحاطة به، لا يكون شيئا مذكورا أمام منازلة الحرف، وصوغ البيان لاسيما وأن التعبير لا ينجم إلا عن التنقيب في الذات، ومواجهة الذاكرة المرهقة بالأشياء، ثم يكون من بعد ذلك مجازفة تكشف الأخطاء، ومصاعب التصحيح. ولم يزل القلم الموجوع يكابد مشقة التردد والحيرة، ويتقلب في مضانّ المعاني، حتى يشارف موكب الكلم وصولا مضارب الرضى ، فترفّ أعلام البهجة، ويسرّ الخاطر بشارة فوز بالمبتغى، وينتشي الشغب عودٌ على بدء.

    فقر




    قد قضت سنن الحياة علي هذه الأرض أن يشهد كل امرئٍ من معاني الفقر في نفسه ما شاء الله له أن يشهدِ، بما يفتقد من الآمال العريضات  والأماني الغاليات التي لا يجد لها سبيلاً البتة ولا يقدر. غير أن الفقر في سياقه المعنوي لا يقارن طرفة عين بما يعاينه الحس من ابتلاءات الجوع وفقد المأوى وانقضاء أسباب الأمان.
    وما أشبه حال الفقير علي ظهر الأرض، بحال اللحود ببطنها كلاهما يلتحف رداء النسيان، فالإنسانية في جحودها لا تذكره، وإن كان دأبها الذي تتفق عليه جمعاً، طلب المال مذ أشرقت شمس الأرض علي أبينا آدم .
    و لا يكون من أسباب الفقر أحق من إقرار شريعة الباطل، ولا نتاجا إلا لاختلال الضمائر، فلم يزل هذا الفقير المسكين يطوي نهاره كادحا، فلا يزيد موازين الإجحاف إلا إمعانا في فقر الفقير وغنى الغني الذي لا ينصفه كده.
    ثم شهدنا الحرب، فما كان الفقر إلا بعض أركانها إذ يتنازع الناس أسباب حياتهم، فتحيلهم لأسباب الهلاك، ويمسي أحدهم يرفل في ثوب عيشه، فيصبح وما يملك منه الكفاف.
         أما أشد أوجه الفقر بؤسا وأعظمه نكاية، وأدعى لإغداق مدامع العين، ذاك الذي تجده في بعض أطراف الأرض، جبال من أكوام فائض الطعام تحت مسمى النفايات، وعلي بعض أطرافها الأخرى يموت الناس ظمئا وجوعا.
         ولو أن العقل الإنساني أقرٌ شريعة الزكاة لكفته، ولأصلحت ما فسد منه من حال الأغنياء قبل الفقراء، فكم من ثري أمسى يتقلب في شدائد القلق يخشى غائلة الفقر، قد أربكته سبل الأنفاق أكثر من سبل الجمع فهو منها في أشد الحيرة.
    فما أحوجنا في عالمنا العربي خاصة لركن من عقيدتنا يستقيم به أمر الحياة، ويتسع به الضمير في امتدادات الرأفة، والخير والفضيلة، فما القتر إلا قدح في الإيمان، وتشكيك فيما وعد الله به المتصدقين، ولقد يكون في غيرنا من المجتمعات ما يوازي ذاك من مؤسسات الإحسان بغير ما دافع، فيكون منها ما يخجل انتمائنا إذ تنجح هي فيما عجزنا عن أدائه نحن.

    بقلمي :مدون مستقل

    مختنقات الحياة


    قد يبدو هذا التقديم زائداً عن الحاجة مقارنة بأجمل تعليقين صادفتهما ، اثرى بريد يتسأل صاحبه عن سبل التغلب علي مختنق الحياة ، ذاك الوضع الراهن المتأزم الذي لا يرجى الخلاص منه قريبا .
    من شهد الحرب و لم يعرف كيف هو ؟ من مر بتعاسة غيرت سعادته إلي الأبد ، من فقد عزيز عليه ، من أضاع سكنه ، عمله ، من اضطر إلي التكيف مع واقع مغاير لا يعرف عنه شيء قط ..
    علي وجه هذه البسيطة يواجه الإنسان الواعي المدرك واقع من أثنين :
    أولهما واقع لا يستطيع أن يغير فيه قيد أُنملة ، فيقبله علي علاٌته ، محتسبا أجره علي الله , في هذا الواقع يعيش المرء حال من مكابدة الآمال , و الخيبات , تكون من بعدها مرحلة التكيف الطبيعي تخفف وطأة ثقله .
    و آخر هو مجال المنافسة ، لأنه محل لأن نترك به أثرا من إبداعنا ، أن نقتاده لصالحنا ، هذا الواقع يمكن أن نسميه واقع خلاٌق ، لأن نفعه يتجاوز صاحبه ليحدث بفاعلية سمة ظاهرة تميزه ، لا علي شكل أفراد بل علي شكل مجتمعات .
    ثمٌ حقيقة من واقع تجربة الحرب علي سوريا, تدفعني أن أدرج ما لفتني في عالم الويب علي اتساع اطرافه :
    لا شك أن معاناة الشعب السوري فاقت كل توقع ، و امتد وقتها إلي مالم نتصوره ، و قد يبدو علي ما نعيشه من أواقات عصيبة في وطني ليبيا أن المقارنة نوع اجحاف في حقهم ، علي هذا كل تجربة ولدت من قاع ذاك المختنق تستحق أن تدرس في معاني صناعة الحياة ، و في كل المجالات يحظى الشباب السوري بحضور قوي و فاعل ، و يدرجون تجاربهم الحية من قلب أسوء الأحداث التي قد تمر علي البشر ، إنهم بالفعل يصنعون بقعة ضوء مع اشتداد الظلمة ، تنير طرق القابعون علي أرصفة اللامبالاة !!



    Sami Alzein
    ١- اهم مكتشف اكتشفته بعد تجاربي في السنوات الثلاث القاسية التي مضت ويلي من بعدها خضت بمجال علم فريد ورائع هو علم الشخصيات "Personality Types" وفق معيار MBTI ..
    باختصار شديد، مخرجات هذا العلم هو بيضة القبان التي غيرت تماما معادلات فشلي واحباطي وتقييمي للمصائب امامي، وذاك من خلال معلومة مهمة: شخصيتك ( اي عقلك وفكرك وسلوكياتك) لها وسمة وبصمة تشابه المفهوم المعروف بتصنيف كريات اادم الحمراء، بمعنى ان كل زمرة دموية لها مواصفاته وشروطها والية عمل مختلفة..
    كذلك الشخصية، فمن التنظير البشع للغاية ان اطلب منك ان تصبر على ابتلاء ما، وانت شخص لك سمة F مثلا
    (Feeling) اي انك عاطفي تحكم على ما حولك وفق التابع المذكور، بالتالي مجرد محاولتك الصبر دون اي ادراك لحجم الازمة نفسيا وايجاد حلول من نمطك نفسه ( تواصل مع شخص تحبه، مكان تحبه، هواية تحبها) لهو دعوة لك للانتحار بأدب ولطف!
    بالمقابل، لو كنت من ذوي النمط العقلاني الذي يحكم وفق المنطق والعقل وحجم الارتداد العنيف للازمات على ذاتك محتمل وقابل للسيطرة، عندها سيكون هناك تعاطي اخر لك من ذاتك وادارة الازمة..
    مختصرا: ما يصلح لك لا يصلح لغيرك في زمن المصائب خاصة وفي كل وجودك ودورك في الحياة عامة..
    كما كتب ارسطو على باب معبد اثينا: ايها الانسان اعرف نفسك! اي تعرف لاسلوب معاملتها ومداراتها..
    لعلي ارسل لك على الخاص قريبا افكاري لسلسة مقالات حول هذا البحث ومبادئه ، وستشعر بتحسن كبير، ولربماتقبل ان تنشرها لي على اراجيك .
    ٢- اضبط بدقة صلاحيات الناس الذين تتعامل معهم على حياتك وخصوصيتك
    في المعتاد التخلص من ثلة من ممتصي الايجابية في حياتك سيورثك سلاما وصبرا لما انت فيه ويدفعك للالتفات بأمل لشيء جديد تفعله كل يوم.
    ٣- كما ذكر منصوري، الانجازات الصغيرة القابلة للانجاز البسيط ستعطيك دعما باطنيا محترما، ولا تتوان ان تشارك هذه الانجازات مع من حولك ان كانوا سيمدوك بدعم وتشجيع وحماس
    ( شاركت عامدا شهادتين جديدتين حصلت عليهما على حائطي الفيسبوكي مع الاصدقاء من باب تشجيع نفسي لتجاوز مصاب عنيف واكتئاب قاسي مررت به مؤخرا كاد يفقدني صوابي .
    النتيجة انني تحسنت وضوحا ووجهت بوصلتي من جديد نحو هدف جديد.
    ٤- من نافلة التوصيات، الاستغفار له اثر سحري، كذلك الصلاة على سيدنا محمد
    ٥- اعمل حالة تجاهل اصطناعي .
    بمعنى: اشغل نفسك في عالم اخر بعيد عن الحقيقة، ما دمت تعرف ان لا حل بيدك حاليا ، عني شخصيا، اذهب لاقرأ ابيات جلال الدين الرومي، وابن الفارض واعيش حالاتهم الصوفية الصافية
    او اقرأ سيرة عمر رضي الله عنه
    اشعر انني خارج الواقع وتمتص روحي جرعات نور وصدق تكسبني "امان داخلي"
    ٥- تعلم اي علم صغنوط جديد واقرأ عنه وحتى خذ فيه شهادات، لنفس الاسباب اعلاه.
    كل هذا اتعلم يوميا ان اقوم به كي اواجه مصاباتي وابتلاءات الكون ، وحين استيقظ كل يوم احمد الله ان يوما اخر انقضى في رحلة مشوار الدنيا وانني صرت اقرب لهدفي البعيد، الله يبلغنا ياه بسلام .

    amjad.monier

    بداية الأزمة... يجب أن نعلم أن نوع الأزمة الراهنة هو الأساس في التعامل معها، من جهتي بعد عام من بداية الاحداث في سوريا كنت قد خسرت كلا من عملي وبيتي ومعمل والدي فاصبح العبء تقريباً على كاهلي وحدي، والاكثر من ذلك ان الظروف كانت تمر بالجميع فكل من يمكن أن تطلب عونه يمر بظرف مشابه.. كان الحل في هذه المرحلة هو التوازن مالياً الاستغناء عن الكماليات والتركيز على الاحتياجات الرئيسية.. اما نفسياً فالحل كان بفكرة التكيف أعني بذلك تقليل سقف التوقعات والتخلي عن المشاريع طويلة الأمد - الزواج والدراسة وتأسيس عمل - والتركيز نفسياً على تقبل الوضع الحالي على انه مستمر لمدة غير معلومة.
    المرحلة الثانية.. التوازن في هذه المرحلة تكون قد تقبلت الصدمة وتعاملت معها واستقر وضعك ولو في نقطة اقل مما كنت قد وصلت إليه هنا يجب أن تأخذ هذه المرحلة مداها وقد استمرت عندي عاماً كاملاً وجدت فيه عملاً ولكن الوضع كان يتدهور والحفاظ على وضع التوازن ذاته قد اصبح صعباً على المدى الطويل هنا يبدأ التفكير في المستقبل... لا يوجد تهديد مالي مباشر ولا يوجد ضغط نفسي مباشر لأن سقف التوقعات كما قلت قد تم التخلي عنه، تبدأ هنا مرحلة بناء التوقعات والطموحات من جديد، على ضوء تجربتي كان الحل هو السفر خارج البلاد واخترت لبنان كان يجب أن استطيع تأمين ما يكفي لهذه الخطوة التي سأسميها البداية الجديدة
    المرحلة الثالثة... البداية الجديدة، في هذه المرحلة تكون قد تخليت طوعا - ليس مجبراً بسبب الظروف - عن التوازن الذي كنت قد وصلت إليه في المرحلة السابقة ستفاجئ في بداية هذه المرحلة في أن كل ما خططت له سابقا ذهب ادراج الرياح ستعاني مرة اخرى من الضغط النفسي الرهيب حيث انك المسؤول هنا عن الوضع الحالي وليس الظروف يجب تمالك الاعصاب ومحاولة فتح الافاق وعدم تسرب اليأس لانه العدو الاول في هذه المرحلة على ضوء تجربتي الشخصية اضطررت للعيش في لبنان 5 اشهر بدون عمل وهو امر سيئ جدا حتى وصلت الامور الى حد الخطر وقمت بمغامرة كلفتني الكثير مما كنت ادخره واصبح الوضع على وشك الانهيار مرة اخرى..
    المرحلة الثالثة.. هي الانطلاق هنا يبدأ المؤشر بالصعود مرة أخرى وتحتاج هذه المرحلة إلى جهد مضن جداً في محاولة البناء في ضوء تجربتي الشخصية استغرقت هذه المرحلة سنة تقريباً استطعت خلالها أن اصبح الرجل الاول في الشركة التي اعمل بها
    المرحلة الرابعة الثمرة.. او التوازن الاعلى في هذه المرحلة تبدأ بقطف ثمار التعب الذي قدمته في سابقتها الخطير في هذه المرحلة هو منطقة الراحة او comfort zone حيث يشعر الانسان ان اهدافه قد تحققت وحياته جيدة ولكنها متوازنة وبالتالي يفقد الرغبة في التغيير هنا يحتاج الامر الى شجاعة كبيرة لمعاودة مرحلة البداية الجديدة
    المرحلة الخامسة البداية الجديدة مرة أخرى هنا اذا كنت شجاعاً وقادرا وطموحا يمكن أن تتخلى عن التوازن المريح الذي وصلت إليه وتبدأ من جديد دورة اخرى لرفع مستواك النفسي والمادي والوصول إلى اهداف اعلى وطموحات اكبر.. في ضوء تجربتي الشخصية قمت بترك ما صلت اليه في لبنان وقررت السفر مرة اخرى لكي ابدا من جديد..







    الانبهار الأول " حين تغرم من النظرة الأولى "


    للأشياءِ المدهشةِ دائمًا ، انعكاس نورٍ بأرواحنا ، تسابيحٌ تشجي قلبًا واجفًا في محرابِ المبدعِ ، لغزُ ضوئِها الأولِ يخطفُ الأبصارَ ، يعيد النظرَ إليها تكرارًا بغية تفْسيرها ، فَمَا ثَمَّ إلا و تُعْمِل سُننها ، و تنغصُ هنَائَتها - الحياةُ - ما طاب لها أن تكيدَ لنا ، تمكرُ بنا ، فإذْ بحدةِ الوهجِ تتسربلُ انطفائتها ، و تسعفَ الرتابةُ لتكسر بهجتها ، ثم يقدحِ الإدراكُ في كمالِها ، فيحيلُ كلَ رغبةٍ بها زهدًا فيها .غير أنَّ للجمالِ أوجهً عدة ، و كأنِّي بها و قد قلبتْ لنا علي غيرِ وجهٍ ، فَجَعَلتنا نتقلبُ بين فهمينِ ، نخايرُ التفاسيرَ حيرةً ، تارةً مشدوهينَ لها ، و آخرى ممتنعينَ عنْها بجهلِنا بها ، لا ننفكُ عنْها إلا لنعودَ لها ، هكذا هي الكائناتُ الجميلات ، خُلِقتْ لتقربَ لفهْمنا القَاصِرصورةَ الجنَّة ، لا لِتصْفو لنَا !!


    كان صديقي و انكسر السوار





    كان صديقها يوم كانا في السابعة، لعبا معا ضحكا معا، وذات عيد جمعهما كانت تتخذ من النافذة متّكأ لها مبتهجة بالمارة والزينة المعلقة.
    وفجأة سقط سوارها المتسع عن معصمها الصغيرة، هرعت إليه كما في كل مأزق تنشج : سقط سواري في الشارع وأظنه انكسر، اندفع ينزل الدرج ليجيئها به، مكسورا كطائر فقد جناحه يحمله بين يديه الصغيرتين.
    نظرت إليه ممتنة دامعة، بين شكر له وحزن على ما قد ضيعت في لحظة اغفال عن تحوطات الترقب المكابر الغر .
    ترى ماذا كانت تعني الطفولة حين طلب إليها أن يحتفظ بشقفة السوار، وكيف فكرت حين لم تمنحه ما طلب، وهو صديقها وتعرف أنه لم يكن بالإمكان إصلاح ما انكسر.
    مضت الأيام و مضت، ولم تعد تراه شغلته الدراسة، ومن بعد الأسفار، وفتحت له الحياة بابا يسع الكون.
    ثم تزوج فتاة كفلقة القمر، وأيضا لم تراه، قريبا جمعتهما المصادفة رأت فيه مرور السنين وما كانت تنكره في مرآتها !!
    قد كبرا معا وكبرا كثيرا بعد، وذات ضحى قريب جاءها الخبر : إنه يصارع المرض وظنت الطائرة التي تقله أنها تسبق الأجل، لكنه سبقها وضرب للحزن موعدا واجتمع الأهل .
    و بدا لها من بين دموعها والفكر، ذاك السؤال البعيد عن شقفة السوار........ تساءلت، هل كنت أدرك منذ الصغر أن ليس علينا التعلق بأشياء ليست لنا ولن تكون لنا، و سنمضي العمر لا نحمل منها عدا تذكار وصور.

    شاهد أيضا :
    رسائل إلي صديقة الفكر
    عصفور

    عصفور



    تظلم مدينتي بانقطاع التيار مرارا فنشعل الشموع، ونتحايل على حرارة الصيف فنشرع الأبواب والنوافذ علّ نسمة تزورنا فنكون منها في غاية الامتنان. غير أن  للظلام وجه آخر، فذات سحر قض طارئ لاأعرف كنهه مضجع عصفور صغير !! 
    ففر المسكين بحياته إلي حيث حتفه، فقد كان الليل حالكا، والنجوم على كثرتها لا تغني من ظلمة، فاصطدم بالجدار فتردى بقربي مغشيا عليه، شغلت ضوء هاتفي أعاينه فإذا به ينتفض ثم يسكن، ظننت أنه سيكون بخير مع طلوع الفجر، وقلت يارب أعد له الحياة كما أعدتها لطيور أبراهيم عليه السلام.
    لكنه كان أجلا وانقضى، وبما أودع الله في قلوبنا من رحمة، تدافع جميعنا رفع جثمانه الصغير فكانت مسئوليتي !!
    فقد دب النمل إليه يقتاته، وأحرقت شمس أغسطس بقاياه ... قد وجب رفعه.
    شغل العصفور بقية نهاري، فقد تذكرت قول الله سبحانه "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ " . وما أخبرنا عنها بما تتقن التوكل، فتغدو خماصا و تروح بطانا، وكيف تسبح إلهاما، ونسبح نحن تكليفا بما قبلنا من حمل الأمانة.
    فقط .. بقي لي سؤال حائر لايلوي علي إجابة، كيف لقلوب فطرت في ( سلامتها ) أن تتألم لقطرة دم عصفور، أن تقسو وتقسو حتى يصبح الدم وظيفتها تستحله كيفما أتفق، تلك قلوب أضاعت الأمانة، فكم لله سبحانه من حلم على الأرض، غير أن أخذه أليم شديد.
    7/أغسطس/2014 

    شاهد أيضا :
    كان صديقي و انكسر السوار
    رسائل إلي صديقة الفكر

    رسائل إلي صديقة الفكر .." محاولة مضنية لفهم مغزي الحياة "



    قد لا يتسنى لنا جميعا - علي امتداد أعمارنا - أن نحظى بفرصة مرافقة أشخاص متفردين، من ذوي المهمات الخاصة بمعنى أو بأخر، ممن تكون حياتهم سلسلة من التحولات الشاقة والعنيفة أحيانا.
    فما أن يستقر بهم الحال علي نحو ما حتى تأخذهم تقلبات الدهر إلى حال مغاير، ويبقى السؤال الوجودي معلقا :
    متى المستراح ؟؟؟
    * همزات الشك 
    منذ كنت في العاشرة تقريبا ربطتني علاقة متينة بصديقة من مثل أولئك الأشخاص، فكانت عمرا من الصحبة، والمودة والصداقة والأسرار والنجاح والفرح وكثير من المواساة .
    و بعيدا عن التفاصيل الغريبة والمتلاحقة والمؤلمة التي أحاطت بحياة صديقتي منذ سنوات عمرها المبكرة، كنت - كلما التقينا أو هاتفتني لتحدثيني  عن تطور أحداث حياتها، أو بلفظ أدق " تدهور" الأحداث - أقرا في كل مرة كيف أن الله يهيئ صفوة من عباده إلي درجات عليا من الكمال الإنساني، لا يمكن أن تمنحها إلا المحن !!
    تتمتع صديقتي هذه بشخصية قوية وناضجة وعلي درجة عالية من فهم الأمور، وتقديرها علي أصح الأوجه، لكن تلاحق المصائب قد تسقطها أحيانا في همزات الشك المرير، فتلتمس حاجتها لأناس مقربين ممن يستطيعون مساعدتها علي تبين الطريق مجددا، وتقويم المسارات التائهة من الفكر.
    * شفقة 
    و بسبب المنظور القاصر الذي يقدح في كمال الفهم، كانت صديقتي تتألم من أحاسيس الشفقة، ذلك أن المجتمع من حولها لم يكن قادرا علي إعطائها مشاعر أكثر إيجابية، لا ولم يسعفه إدراكه ذو الموازين المعاكسة أن يعترف لها أنها امرأة جد مميزة، لأنها كانت قادرة وبفاعلية علي التعاطي مع ظروف حياة غير عادية.
    حيث أن القياس الصحيح لا يكون إلا علي الثوابت، أما الحياة التي تحمل الكثير من الأوهام و الخيبات، لا يمكن إلا أن تكون في ذاتها موضعا للإشفاق والحذر !!
    وهي أيضا -أعني الحياة - موضع للمباهج والزينة، والسعي المتلاحق لتحقيق معادلات شاقة للاستقرار فيها والتمتع بزهرتها، الأمر الذي يقودنا بإلحاح لتمعن في فلسفة السعادة.
    * سعادة 
    السعادة في الدنيا لفظ وهمي، مبني علي منغصات كثيرة، قائم علي النقص، لماذا ؟ لأننا لسنا من نختار وجهتها، ولا نحصل منها غالبا علي ما نريد، وإن حدث وكان فبقدر.
     يقول الله عز وجل في السعادة  " فأما اللذين سعدوا ففي الجنة ...." فإذا الجنة مكان الخيارات التي لا تحصى ولا تمنع ولا تنقطع، أما في الحياة فإن لفظ ( قرة عين ) يمكن أن يكون بديلا جيدا، وواقعي عن كلمة السعادة، يقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - " جعلت قرة عيني في الصلاة " وبالرغم من أن قريشا كانت مجتمعا ذكوريا بامتياز، إلا أن الله أختار لنبيه الصلاة، كأسمى القربات التي يمتلئ بها القلب رضى، بديلا عن فخر الولد.
    * قرة عيني 
    عود علي بدء، ومنذ بضع أيام مضت أضحت صديقتي تلك أرملة بثلاثة أطفال، وفي إشارة لفضل الآخرة، حدثنا رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - عن نساء يزاحمنه عند باب الجنة قدمن حياتهن ثمنا للعناية بصغارهن.
    لكن الحياة نفسها عادت لتطرح علي سؤالها الساذج متى ستسعد صديقتي؟ فجاء الجواب المنطقي ينقض معنى السعادة، ويقول : لعل الله يجعل تربية أطفالها - مع المشقة - قرة لعينها.
    لكن سؤال الفكر الملح الذي هو بحاجة التوقف فعلا، ما هي قيمة الأشياء التي نتخذها قرة عين في حياتنا، إن الإجابة علي هذا السؤال أمر يكاد يكون بأهمية الحياة ذاتها، ذلك أن إجابته هو إجابة أسئلة كثيرة حائرة، تدلل علي بعد النظر وعمق الفهم، ومن ثم إصلاح الموازين وعدل الإحكام، إذ ثم من الأشياء ما هو غير قابل للشفقة البتة.

    شاهد أيضا :
    عصفور
    كان صديقي و انكسر السوار


    الصفحة الرئيسية
    الاشتراك في: الرسائل (Atom)

    الصفحات

    • الصفحة الرئيسية

    التسميات

    • أدب وفكر
    • أعمال
    • تدوينات إسلامية
    • دعاية وتصميم
    • سلوك إنساني
    • مدن تاريخية
    • مطالعات
    • يوميات وطن

    من أنا

    صورتي
    الياقوت الأحمر
    مقتنيات فكرية
    عرض الملف الشخصي الكامل الخاص بي
    جميع الحقوق محفوظة لــ نماذج بلوجر 2015-2016 ©